سيد محمد طنطاوي

237

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ذكر المفسرون في سبب نزول قوله - تعالى - * ( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ) * . روايات منها : ما رواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن أبيه عمر بن الخطاب قال : لما اجتمعنا على الهجرة . تواعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السّهمى وعيّاش بن أبي ربيعة بن عتبة ، فقلنا : الموعد أضاة بنى غفار - أي : غدير بنى غفار - وقلنا : من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه فأصبحت أنا وعياش بن عتبة ، وحبس عنا هشام ، وإذا به قد فتن فافتتن ، فكنا نقول بالمدينة : هؤلاء قد عرفوا اللَّه - عز وجل - وآمنوا برسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم ، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة ، وكانوا هم - أيضا - يقولون هذا في أنفسهم . فأنزل اللَّه - عز وجل - في كتابه : * ( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ . . ) * إلى قوله - تعالى - * ( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ) * . قال عمر : فكتبتها بيدي ، ثم بعثتها إلى هشام . قال هشام : فلما قدمت على خرجت بها إلى ذي طوى فقلت : اللهم فهمنيها ، فعرفت أنها نزلت فينا ، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم « 1 » . والأمر في قوله - تعالى - : * ( قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّه ) * موجه إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم وإضافة العباد إلى اللَّه - تعالى - للتشريف والتكريم . والإسراف : تجاوز الحد في كل شيء ، وأشهر ما يكون استعمالا في الإنفاق ، كما في قوله - تعالى - : يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا .

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 15 ص 268 ، تفسير الآلوسي ج 24 ص 15 .